بين صراعات الشرق وحسابات الجوار، المغرب فوق كل اعتبار

 

بقلم: إدريس زويني

في السياسة لا مكان للأوهام. فالعالم لا يدار بالعواطف ولا بالشعارات، بل بمنطق المصالح وتوازنات القوة. وهذه حقيقة تؤكدها تجارب التاريخ كما تفرضها قواعد العلاقات الدولية. فالدول لا تتحرك بدافع الحب أو الكراهية، وإنما بدافع حماية مصالحها الاستراتيجية والدفاع عن أمنها واستقرارها.

ومن هذا المنطلق، من الطبيعي أن ينطلق أي تحليل سياسي من مصلحة الوطن ووحدته الترابية. فبالنسبة لنا تبقى قضية وحدتنا من طنجة إلى الكويرة ثابتة سيادية لا تقبل المساومة أو التأويل، وبوصلة يجب أن توجه كل قراءة سياسية وكل موقف دبلوماسي.

غير أن ما يثير الاستغراب أحيانا هو أن بعض الأصوات في نقاشاتنا السياسية تنشغل بالدفاع عن أجندات خارجية أكثر مما تنشغل بالدفاع عن مصالح وطنها، وكأن الصراعات الإقليمية تقرأ بعيون الآخرين لا بعيون مغربية خالصة، وكأن الاصطفاف الأيديولوجي أصبح عند البعض أهم من الاصطفاف الوطني.

لقد أثبتت تجارب المنطقة أن بعض القوى الإقليمية تنظر إلى محيطنا باعتباره مجالا لتوسيع النفوذ وبناء أوراق ضغط في صراعاتها الدولية. وعندما تتقاطع هذه الحسابات مع خصوم المغرب في المنطقة يصبح واضحا أن الأمر لا يتعلق بشعارات، بل بحسابات استراتيجية قد تمس استقرار الدول ووحدتها.

ومع ذلك، استطاع المغرب أن يحافظ على توازنه واستقراره بفضل عمق دولته الممتدة لأكثر من اثني عشر قرنا من التاريخ، وبفضل مؤسسة ملكية ضامنة للاستمرارية والوحدة. وقد جسد جلالة الملك رؤية تقوم على الواقعية السياسية وتعزيز السيادة الوطنية وتوسيع الشراكات الدولية بما يخدم المصالح العليا للمملكة.

العلاقات الدولية ليست ساحة للأحكام الأخلاقية المجردة، بل فضاء تتقاطع فيه المصالح وتبنى فيه التحالفات وفق ميزان القوة والواقع. ولهذا لا يبدو غريبا أن تلتقي الدول في ملفات معينة رغم اختلافها في ملفات أخرى، فالدول الذكية تدرك أن التحالفات أدوات لخدمة المصالح الوطنية.

إن الدفاع عن الوطن لا يكون بالشعارات، بل بقراءة دقيقة للتحولات الدولية وبناء علاقات تخدم المصالح العليا للدولة. فالدول التي تنجح في حماية مصالحها هي تلك التي تتعامل مع الواقع كما هو، لا كما تتمنى أن يكون.

وفي خضم هذه التحولات، تظهر حقيقة بسيطة في السياسة الدولية: الصداقة تقاس بالمواقف. وما تحقق للمغرب من دعم واضح من بعض الشركاء الدوليين في قضاياه الاستراتيجية لم نره من بعض الجوار الذي اختار الخصومة بدل التعاون.

لهذا يبقى المبدأ واضحا وثابتا: مصلحة المغرب ووحدته الترابية فوق كل اعتبار.لأن الدول في النهاية لا تقاس بنواياها، بل بقدرتها على حماية مصالحها، والمغرب، قبل كل شيء، فوق كل اعتبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى