إسطنبول: الدبلوماسية البرلمانية في قلب صراع الأزمات والتحولات العالمية.

بقلم إدريس زويني
في مدينة إسطنبول، حيث تلتقي القارات على إيقاع التحولات الكبرى، افتتحت هذا المساء أشغال الجمعية العامة ال 152 لاتحاد البرلمان الدولي، في دورة استثنائية بحضور غير مسبوق يقارب 2500 مشارك يمثلون أكثر من 183 برلمانا عبر العالم، في مشهد يعكس حجم التعقيد الذي يطبع النظام الدولي الراهن.
في هذا السياق، جاءت كلمة رئيس الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا، نعمان كورتولموش، لتؤطر النقاش ضمن رؤية جيوسياسية معقدة، مؤكدا أن الأزمات الإقليمية لم تعد أحداثا منفصلة، بل تعبيرا عن اختلالات بنيوية عميقة في بنية النظام الدولي. خطاب قوي حمل رسائل تحذيرية، ودعوة صريحة لإعادة الاعتبار للدبلوماسية البرلمانية كأداة موازية ومكملة للدبلوماسية التقليدية التي باتت تواجه حدود فعاليتها في إدارة الأزمات المتسارعة.
الشرق الأوسط، في صدارة المشهد، ليس فقط باعتباره بؤرة توتر، بل كاختبار مفتوح لقدرة النظام الدولي على إنتاج حلول مستدامة. وقد تجلى ذلك في تقديم مقترحات بنود طارئة من طرف قطر والبحرين وإيران، في انعكاس واضح لتعدد المقاربات وتباين الحسابات، بل وصراع إقليمي داخل المؤسسات متعددة الأطراف.
في المقابل، يبرز حضور المغرب كالعادة كفاعل برلماني متوازن في أشغال اللجان والمنتديات، مع تركيز على قضايا السلم والأمن والتنمية وتعزيز الحوار جنوب جنوب، في انسجام مع توجهاته الدبلوماسية متعددة الأبعاد وانخراطه المتزايد في قضايا الحكامة العالمية. وفي هذا السياق لابد من الإشاذة بمساهمات الإطار العالي بالبرلمان المغربي عبد الواحد درويش، الذي يشكل حضوره في المحافل الدولية إضافة نوعية من خلال انخراطه في النقاشات الداعية إلى تعزيز فعالية الدبلوماسية البرلمانية وتوسيع مجالات التعاون والتقارب بين الشعوب.
أما على المستوى المؤسساتي، فتكتسي هذه الدورة بعدا مفصليا مع انتخاب أمين عام جديد للاتحاد. ولأول مرة منذ تأسيس المنظمة سنة 1889، تتنافس أربع نساء على هذا المنصب، من بينهن المرشحة البولونية أندا فيليب الأوفر حظا، في مؤشر على تحول تدريجي في موازين التمثيلية داخل المنظمات الدولية.
هكذا، تبدو إسطنبول اليوم أكثر من مجرد مدينة مضيفة لحدث برلماني دولي، إنها مسرح مكثف لصراع الرؤى والتوازنات، حيث تتقاطع السياسة بالأمن والاقتصاد، وتختبر قدرة الدبلوماسية البرلمانية على البقاء كجسر بين عالم يتشظى وآخر يبحث عن نظام جديد أكثر توازنا.